الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
187
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فرض تسليمه إنما يدفع الاستدلال إذا كان فهم ذلك عن الصيغة متوقفا على ملاحظتها في المقام وليس كذلك فإن ذلك يفهم منها وأن قطع النظر من القرينة المفروضة ولذا يتبادر الفور من سائر الأوامر الواردة في الاستعمالات العرفية فلو أخر المكلف أداءها ذمه العقلاء على فرض وجوب طاعة الأمر وعاتبوه على التأخير ولذا لا يفهم من شيء من الأوامر الواردة في العرف إرادة طلب مطلق الفعل ولو في مدة عمر المأمور وقد قرر بعضهم الاحتجاج بحكم العرف بعصيان العبد مع ترك المبادرة إلى امتثال أوامر المولى نعم لا يفيد القول بتفاوت الأفعال في ذلك فيكون ذلك شاهدا على القول بالفور ببعض الوجوه المذكورة ويمكن دفعه بالمنع من تبادر الفور من خطابات الولي للعبد وإنما ينصرف الأمر فيها على حسبما يقوم القرينة عليه في المقام فالأمر بسقي الماء ينصرف إلى التعجيل نظرا إلى قضاء العادة به والأمر بشراء اللحم ينصرف إلى شرائه في وقت يمكن طبخه للوقت المعهود وكذا الحال في غيرهما من المطالب فيختلف الحال فيها بحسب اختلاف الحاجات وليس ذلك من دلالة اللفظ في شيء ولو فرض عدم قيام القرينة على خصوص زمان من الأزمنة في بعض المقامات فلا انصراف في الصيغة نعم لو أخرج إلى حيث يصدق التهاون في الامتثال دل العرف على المنع من تلك الجهة وقد عرفت أن ذلك ليس من الفور في شيء وإنما هو تحديد بجواز التأخير على القول بالطبيعة أو التراخي وليس ذلك إذن قيدا في الأمر حتى يجري فيه الخلاف في فوات المطلوب بفوات الفور ليقال بسقوط الوجوب على أحد الوجهين بل لا ريب حينئذ في بقاء الأمر وإنما يحكم بالعصيان من جهة التهاون في الامتثال والمسامحة في أداء ما أهم به المولى مما أوجب الإتيان به ووجوب الفعل على حاله نعم لو كان هناك قرينة على إرادة الزمان المعين كما في كثير من المقامات سقط بقوله من تلك الجهة وليس ذلك من محل البحث أيضا قوله إن الذم باعتبار إلى آخره يمكن الجواب عنه أيضا بمنع دلالة الاستفهام المذكور على الذم فإنه إنما يتم لو كان للتوبيخ والإنكار ولا يتعين الوجه فيه في ذلك لجواز حمله على إرادة التقرير حيث إنه وقع الترك منه على جهة الاستكبار والإنكار فأراد سبحانه بالاستفهام المذكور تقريره به عليه واعترافه به ليقوم عليه الحجة في الطرد والإبعاد فلا دلالة فيها على حصول الذم أصلا حتى يكون ذلك على ترك الفور وقد مرت الإشارة إلى ذلك قوله والدليل على التقييد إلى آخره كان الوجه فيه أن إذا للتوقيت فيفيد أن الجزاء لا بد من حصوله في ذلك الوقت أو أن الفاء يفيد التعقيب بلا مهلة فيدل على ترتب الجزاء على الشرط من غير فصل ويشكل الأول أنه لا دليل على كون إذا للتوقيت بل لا بد في حملها على الشرطية بل ربما يكون الحمل عليها أظهر وحينئذ فيكون الفاء في قوله تعالى فقعوا له جزائية ولا دلالة فيها على التعقيب بلا مهملة فإن ذلك مفاد الفاء العاطفة فظهر بذلك فساد الوجه الثاني وقد يحتج على النحو المذكور بغير هذه الآية مما دل على ترتب الذم أو العقوبة على مخالفة الأوامر المطلقة كآية التحذير وقوله وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون إذ لولا أن الأمر للفور لما صح ترتب الذم على مخالفة الأمر المطلق لعدم استحقاق الذم حينئذ إلا عند الوفاة وفيه أن تأخير الفعل إلى حد التهاون سيما مع الذم على ترك الفعل رأسا يصح ترتب الذم عليه وإن كان فعله أخيرا يبرئ الذمة وقد عرفت أن ذلك مما لا ربط له بالقول بالفور قوله لو جاز التأخير إلى آخره يمكن تقرير الاستدلال المذكور بنحو آخر وهو أنه لو لم يكن الأمر المطلق يفيد الفور لجاز التأخير والتالي باطل فالمقدم مثله والملازمة ظاهر وأما بطلان التالي فلأنه لو جاز التأخير فإما أن يجوز إلى غاية معينة أو غير معينة أو يجوز التأخير دائما والوجوه الثلاثة باطلة فالمقدم مثلها والملازمة ظاهرة إذ جواز التأخير لا يخلو عن أحد الوجوه المذكورة ويدل على بطلان الأول أنه لا بيان في المقام إذ ليس في نفس اللفظ ما يفيد تعيين الوقت ولا من الخارج ما يفيد ذلك ولو كان دليل على التعيين لخرج عن محل الكلام والثاني يستلزم التكليف بالمحال إذ مفاد المنع من تأخّر الفعل عن وقت لا يعلمه المكلف والثالث قاض بخروج الواجب عن كونه واجبا لجواز تركه إذن في كل زمان وما يجوز تركه كذلك لا يجب فعله قطعا وبتقرير آخر لو جاز التأخير فإما أن يجوز مع الإتيان ببدل يقوم مقامه أعني النوم على الفعل فيما بعده أو يجوز من دونه والتالي بقسميه باطل أما الأول فلأن الإتيان بالبدل يقتضي سقوط التكليف بالمبدل على ما هو شأن الواجبات التخييرية وليس كذلك إجماعا وأما الثاني فللزوم جواز تركه بلا بدل ويرد على الأول أنه إن أريد بالغاية المعينة أو المجهولة بالنسبة إلى المخاطب أو الواقع فإن أريد الأول اخترنا الثاني وإن أريد الثاني اخترنا الأول لأنا نقول بعدم جواز تأخيره عن غاية معينة في الواقع غير معينة عندنا وهو آخر أزمنة الإمكان ولا يلزم فيه تكليف بالمحال وإنما يلزم ذلك لو وجب التأخير إلى غاية مجهولة كذا ذكره المصنف في الجواب عن الاستدلال وسيجيء الكلام فيه وعلى الثاني جواز اختيار كل من الوجهين أما الأول فيكون العموم بدلا عن الفور لا عن نفس الفعل وأما الثاني فبأنه لا وجوب لخصوصية إيقاعه في خصوص شيء من الأزمنة وإنما الواجب نفس الطبيعة ولا يجوز تركها وإن جاز الترك مقيدا بالزمان الخاص ولا منافاة قوله فلأنه لولاه لكان إلى آخر أزمنة الإمكان كان الأولى أن يقول وإلا لجاز التأخير إلى وقت غير معين ثم يترتب عليه ما ذكره فلا حاجة إلى ضم المقدمة المذكورة ثم إن ما ذكره من الاتفاق على كون جواز التأخير إلى آخر أزمنة الإمكان إن أراد جواز التأخير إليه بحسب الواقع مع قطع النظر عن تعيينه ولو بحسب الظن فهو ممنوع والمفسدة المذكورة أو غيرها مترتبة عليه وإن كان ظاهر المقصود كون الغاية آخر أزمنة الإمكان على حسب الظن به فمسلم ولا يترتب عليه تلك المفسدة ولا غيرها لعلم المكلف بذلك الوقت فليس له أن يؤخر عنه حتى إن الواجبات الموسعة يتضيق به